|
اريد ان
ارى القاهرة القديمة ؛ واشتري بعض العطور الشرقية .
قالها بانجليزية ممطوطة كديدن اهل
ايطاليا جميعا .
بالتأكيد سيدي؛ فأنت
ضيفنا. ثم اني احمل ذكريات جميلة لتلك المنطقة وأود رؤيتها ,
لم اذهب هناك منذ خمسة عسر عاما .
قالها نادر وهو يقود سيارة المنظمة
الخاصة به , متجها من المطار الى الاقهرة , وبجوارة يجلس منسق
شئون الشرق الاوسط بالامم المتحدة . لكنه ذهب بخيالة بعيدا ,
الى اعرق احياء القاهرة . وتذكر رجلا جالسا بجوار ثلاجة للمياة
الغازية , وشاب وفتاة يتبادلان زجاجات المياة الغازية الخاصة
بهما .....( ترى ماذا كان اسمة ؟ ) ..
0( اه عم محمود ) ... زمن طويل جدا حقق نادر فية الكثير
جدا ... ولكنة قد فقد شيئا غاليا .... اغلى من انجازاتة
العملية .... فقد مها .... كلا مهما نسى اسماء ... وعرف اشخاص
, وسافر بلاد , وحقق مناصب . لن ينسى اكواب الينسون , والطريق
الطويل الممتد ... واللذي يزدان بأنواع متعددة من الاشجار........
اؤكد لك ان منصب رئيس
المنظمة قريبا جدا !
انتفض نادر , وتنهد بعمق ... ثم ابتسم
وقال .
اعلم هذا ولكنك افزعتني
.
ابتسم لوسيانو وقال .
اسف على ذلك . ولكنني
سمعت اخبار تقول انك المرشح الاول والاقرب للمنصب .
كل المرشحين بارعون و ولكني - والحق اقول لك - منذ ان كنت
طالبا لم يكن لي امل الا ان اصبح رئيسا للمنظمة .
( هل لازالت تقرأ الصحف
, اذا كانت تقراها فسوف ترى خبر استلامي المنصب .. حتما .... )
.
*-*-*-*-*-*-*-*
في احدى المقاهي الشهيرة بالقاهرة
القديمة , جلس نادر ولوسيانو يدخنون النارجيلة فقال لوسيانو .
رائعة بلادكم , حقا يا
نادر بلادكم تمتلك حضارة لم ارى مثلها في أي مكان من البلاد
التي زرتها .
هل تعلم يا لوسيانو .. حينما كنت في العشرين من عمري و كنت
اجيئ لهذا المكان كل يوم و حقا حينها لم اكن احب المكان . ولكن
الان اشعر بحنين وشجن عميقين لوجودي ها هنا , خمسة عشر عاما
ولم يتغير المكان , كما تركته تماما .
لماذا لم تتزوج يا نادر ؟
ابتسم نادر وقال .
كانت هناك امراة , ملكت
عالمي وتربعت على عرش قلبي , ثم ذهبت ... ولم ارضى ان يحتل
مكانها أي امرأة اخرى و هل تعرف لا زلت احبها حتى الان .
اسف يا نادر , اسف اني ذكرتك بذكرى اليمة ... اسف حقا .
لا عليك لوسيانو .. لا عليك , ثم من قال اني نسيت حتى تذكرني و
عموما هذه هي الدنيا ... هيا بنا كي نشتري لك العطر .
*-*-*-*-*-*-*-*
اوقف نادر سيارة المنظمة ثم نزل منها
ببطء .. وتأمل المكــــان , حقا لم يتغير , اجريت بعض
الترميمات للاثار المحيطة ولكن المحل كما هو , اخذ نفسا عميقا
, اراد ان يحتوي المكان برئتية ( اين
تلك السيدة التي تبيع المزهريات .. اه ها هي ...) , ها
هنا كان يقف في انتظار مها كل يوم ... عمود الانالرة الذي كان
يستند علية .... احس ان المكان يرحب بة مجددا ... وهذه المأذنة
العجوز الناعسة , تفتح طرف عينها , وتهمس – ها هو الفتى وقد
نجح في حياتة , نظرتي لا تخيب ....
هيا بنا يا نادر ... هل
سنكمل بقية الليل في التأمل ؟
لماذا تصر على افزاعي لوسيانو .... عامة ها هو المحل , سندخل
ونحضر العطر ثم اوصلك الى الفندق بسرعة , لاني اريد ان اذهب
الى بيت ابي , لاستعيد ذكريات الدراسة .
هيا بنا .
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
- هل استطيع أن أساعدك
يا سيدي ؟
قالها الشاب الواقف خلف الكاونتر
بانجليزية ركيكة فنظر له نادر .. ثم ابتسم وقال بالعربية .....
نريد بعض العطور
الشرقية .
ابتسم الشاب في حرج وقال
في نهاية الطرقة يمينا
... هناك قسم العطور .
ابتسم نادر وأفهم لوسيانو ثم قال له
اسبقني وسآتي إليك
بعدما تختار العطور التي تريدها , وأنا سألقي نظرة على بعض
الأشياء
وبعدما تفقد المحل الذي ظل لمدة عام
كامل يجيء إلى بابه كل يوم... ولم يدخله أبدا إلا الآن ... ذهب
فوجد لوسيانو يشيح بيديه وكأنة سيصاب بسكتة دماغية من صعوبة
التحدث ... فابتسم وقال له
اهدأ لوسيانو ماذا تريد
أن تقول ..... ؟
هنا باغته صوت يعرفه جيدا .... صوت
امرأة يعرفه جيدا ... امرأة تحب الينسون.... صوت امرأة تحب
قرأه الصحف...... صوت امرأة في أمس الحاجة إلى الحنان .......
سيدي إن انجليزيته
رديئة جدا .
<< كلا ليست حياة
الآخرين....... , ولكن حياتي أنا التي ستتوقف >>
تعرفها بسرعة ولكنها لم تتعرفة , لم
تتغير .... لم تؤثر فيها السنين ... كما عرفها ... رقيقة...
حالمة.
كما إن لكنته الايطالية
تزيد الأمور تعقيدا .
كيف حالك يا مها ؟ اوحشتيني كثيرا .
بكل كيانه قالها بشوق خمسة عشر عاما
قالها, تجمدت نظرة عدم الفهم في عيناها ثم تبدلت دهشتها إلى
ضحكة فهتفت
نادر... مستحيل....
يااله السموات ... نادر .... أين كنت ؟
مدت يدها ومد يده فتعانق كفاهما , أحس
أن اصابعة أصبح لها إرادة خاصة لا تطيعه كي يترك يدها .
<< وعلى من يدخل مملكتي
أن يدخلها... بقوانيني .... >>
*-*-*-*-*-*-*-*
فتح لوسيانو باب سيارة نادر , وركبت مها
بجوار نادر ثم جلس نادر ثم جلس لوسيانو في الخلف ولم ينبس
احدهم ببنت شفه .... ثم توقف نادر وقال للوسيانو .......
ستنزل ها هنا ....
وتستقل تاكسيا..... وتقول فندق ميريديان ....أسمعت فندقا.
اخذ يحاول نطقها ثم أشار إليه وقال.
حسنا لامشكلة هناك ...
( تشاو ) طابت ليلتك ياسيدة مها .
<< ترى هل تزوجت أم لا
>>
ثم انطلق في طريق ظل كل يوم لمدة عام
كامل يمشي فيه في نفس التوقيت ولكن كل شئ تغير. لم يتغير
الطريق ولكن تغير الطريق بداخلة توقف نادر عند ثلاجة للمياه
الغازية يجلس بجوارها رجل قد اشتعل رأسه شيبا... نزل نادر من
السيارة وتقدم إلى الجل فنزلت مها خلفه ووقف الاثنان, نادر
ينظر للرجل ومها تنظر للرجل ثم تنظر لنادر الذي ظل ناظرا للرجل
لفترة طويلة ثم قال .
كيف حالك ياعم محمود .
الحمد لله ...يا بك ... هل تعرفني ؟
وهل استطيع أن أنساك ... ؟
ثم تقدم نادر وفتح ثلاثة زجاجات أعطى
واحده لمها, وأعطى الأخرى لعم محمود واخذ الثالثة... فقالت مها
.
لن تتغير يا نادر....
لن تتغير .
فتح نادر حافظة نقوده << وشو اتاخر بكرة >> ثم أعطى رزمه من
الأوراق المالية لعم محمود وقال
هذا ثمن زجاجتي مياه غازيه يوميا لمدة خمس عشر عاما.
نظر له الرجل في عدم فهم.. فقال نادر .
امسك أيها العجوز
الطيب, اعتبرني احد أبنائك.
اخذ عم محمود النقود من نادر وأراد أن
يقبل يده ولكن نادر سحب يده بسرعة فقال الرجل.
ربنا يعمر بيتك , ويعلي
مراتبك كمان وكمان .
ابتسم نادر وأعطاه الزجاجة ثم ذهب
للسيارة , وأقبلت مها وركبت جواره فانطلق في نفس الطريق .
ألن تقول شيئا ؟
قالتها مها وهي تنظر ( لدواسة السيارة )
.
هل تزوجت ؟
لا ... وأنت ؟
تفرغت لعملي , وجمع المال .
نادر كان رغما عني .... صدقني الظروف...
أشار لها بيديه وقال .
من الأفضل ألا نتحدث عن
ذلك الأمر ثانيه, لن يجدي الحديث... صدقيني, فقط استمتعي بذلك
الطريق الذي نمشيه سويا... ولأخر مرة .
اغرورقت عيناها بالدموع وأحس بغصة في
حلقة وألم يمزق كتفه الأيسر.
انطلق نادر بالسيارة , حتى وصل إلى المنطقة التي تسكن بها مها
... فنظر لها لأول مرة منذ مقابلتهما , ثم قال بكل كيانه ...
الوداع يا مها... مع
السلامة .
كانت قد اختنقت الكلمات في حلقها من
كثرة الدموع وأرادت أن تقول شيئا, لكن نادر أسكتها بإشارة من
يده, وبعدما نزلت مها من السيارة أشار لها نادر, وانطلق بسرعة.
ظلت مها واقفة حتى انحرف بالسيارة إلى شارع جانبي تتابعه
بعينها, ثم ذهبت إلى بيتها في وهن شديد..... وكان نادر بمجرد
أن دخل الشارع الجانبي, أوقف السيارة وانفجر في البكاء.
*-*-*-*-*-*-*
في صحيفة يوميه كان هناك خبر يقول .....
<< نادر عبد الله .. أول عربي يرأس منظمة ( .... ) التابعة
للأمم المتحدة وهو كذلك أصغر رئيسا للمنظمة منذ إنشائها
عام.............. >> .
قرأت مها الخبر في الجريدة, وهي جالسه
بمحل العطور, فاختلطت دموعها, ولم تدري أهي دموع فرحه أم دموع
حسرة.
*-*-*-*-*-*-*-*
وفي روما دخل نادر المكتب الذي كان يحلم
به , منذ أن كان شابا , بعد ان تلقى عبارات التهنئة ...شعر
بذلك الألم في كتفه الأيسر , ولكن إحساسه بالسعادة كان أقوى من
أي الم , جلس على الكرسي الذي اشتاق إليه كثيرا ... وأخذ يتذكر
...........
<< لو أن هناك
فتاه تحبك تأتي وتقولها صراحة....>>>
<< لم لا >>
<< موعدنا بكرة.... وشو اتاخر بكرة >>
طريق طويل يزدان بأنواع
متعددة من.......
<< أتعرف أني في أمس
الحاجة إلى الحنان >>
الأتوبيس يهدر .....
فتيان وفتيات يرقصن.....
<< احبك بجنون >>
متى كان التنفس عسيرا
هكذا .
<< اعلقوا النتيجة >>
<< أهداي بالا >>
<< أنا لك فلا تخشى شيئا >>
<< ما هي الوظيفة >>
<< من سيقبل أن تعمل عنده شابه وتبيت بالموقع >>
<< طبعا هذا تدريب مجاني >>
<< ستنتظرينني >>
<< بائعة عطر >>
<< سأحقق الآمال >>
....... رجل جالس بجوار ثـــلاجة
.......
<< شكرا على الحزن الجميل >>
..... نفس الطريق طوال عام.....
<< طموحي لاحدود له >>
<< كيف حالكما >>
<< السيد جيم .... سيقوم بعمل اختبار صغير لك ... >>
<< هل لي أن أتزوج >>
<< السفر لروما بعد عشرين يوما !! >>
<< على عش الحب .. الحب !! >>
<< حتى ننهي هذه المهزلة لااريد اتصالات .... لا أريد أي شئ >>
<< أؤكد لك أن منصب رئيس المنظمة قريبا جدا ... >>
<< أما أنا.. فمرتبطة بشخص أخر >>
<< على عش الحب .. الحب >>
<< استمر في أحلامك أما أنا فأعيش على ارض الواقع.... الواقع..
الوا....>>
أحس بدوار عنيف .... ولكنه كان سعيدا
راضيا... ابتسم وقال ...
الحمد لله .
وصعدت الروح الطاهرة إلى بارئها .
- تمت -
القاهرة 31/10/2003
م / مجدي محمد إسماعيل. |